اديب العلاف

49

البيان في علوم القرآن

نحو من ربّته وأصبح كابن لها . . كما نرى بالوقت نفسه صراع العقل مع الغريزة وصراع الخير والشر عند يوسف . . وكيف يجوز له أن يقدم على هذا الأمر ويخون من أحسن وفادته وأكرمه . . ويتغلب العقل والخير قليلا عند يوسف . . ثم تندفع الغريزة البشرية في كل منهما للظهور . . ولكن الخير ينتصر والإيمان عند يوسف يتفوق . . وكل ذلك بفضل اللّه ورعايته . . وهذا ما نجده في الآية الثانية . وتندفع الغريزة البشرية بأقصى قوة عند زليخة . . حيث تلحق بيوسف الذي هرب منها محاولا الخروج من الباب . . وتشده من قميصه من الخلف فتشقه . . وفجأة يظهر العزيز . . ويرى المشهد . . ولكنها تكذب وتتهم يوسف . وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » [ يوسف : 25 ] . وتتجلى عناية اللّه بيوسف حيث ينطق الطفل الصغير بإرادة اللّه بالحقيقة . فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [ يوسف : 28 ] . ونرى هنا أن الصراع بين الحق والباطل وبين الصدق والكذب كان قويا . ولكن الغلبة كانت للحق وستبقى كذلك في كل وقت وحين . . ومع ذلك تبقى زليخة مصرة على طلبها من يوسف . وتكثر الإشاعات في المدينة حول هذا الموضوع . . ويعبر القرآن بأسلوب جميل وأخاذ بهذه العبارة . قد شغفها حبا . . بمعنى أنه قد وصل حبه إلى شغاف قلبها أي إلى جوانبه وحجابه يريد الدخول إلى سويداء قلبها ليبقى فيه . . ويتتابع الوصف الإلهي لما قامت به زليخة :

--> ( 1 ) فاستبقا الباب : تسابقا للوصول إلى الباب حيث كان يوسف يريد الخروج وهي تريد إبقاءه . قدت : شقت . من دبر : من خلف . وألفيا سيدها : ووجدا سيدها أي زوجها .